الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
154
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عن آثار تلك الشهادة فيجاب بأن أثرها أن يجازيهم اللّه على ما شهدت به أعضاؤهم عليهم . فدينهم جزاؤهم كما في قوله : ملك يوم الدين [ الفاتحة : 4 ] . و الْحَقَّ نعت للدين ، أي الجزاء العادل الذي لا ظلم فيه فوصف بالمصدر للمبالغة . وقوله : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ أي ينكشف للناس أن اللّه الحق . ووصف اللّه بأنه الْحَقَّ وصف بالمصدر لإفادة تحقق اتصافه بالحق ، كقول الخنساء : ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت * فإنما هي إقبال وإدبار وصفة اللّه بأنه الْحَقَّ بمعنيين : أولهما : بمعنى الثابت الحاق ، وذلك لأن وجوده واجب فذاته حق متحققة لم يسبق عليها عدم ولا انتفاء فلا يقبل إمكان العدم . وعلى هذا المعنى في اسمه تعالى : الْحَقَّ اقتصر الغزالي في « شرح الأسماء الحسنى » . وثانيهما : معنى أنه ذو الحق ، أي العدل وهو الذي يناسب وقوع الوصف بعد قوله : دِينَهُمُ الْحَقَّ . وبه فسر صاحب « الكشاف » فيحتمل أنه أراد تفسير معنى الحق هنا ، أي وصف اللّه بالمصدر وليس مراده تفسير الاسم . ويحتمل إرادة الإخبار عن اللّه بأنه صاحب هذا الاسم وهذا الذي درج عليه ابن برّجان الإشبيلي « 1 » في كتابه « شرح الأسماء الحسنى » والقرطبي في « التفسير » . و الْحَقَّ من أسماء اللّه الحسنى . ولما وصف بالمصدر زيد وصف المصدر ب الْمُبِينُ . والمبين : اسم فاعل من أبان الذي يستعمل متعديا بمعنى أظهر على أصل معنى إفادة الهمزة التعدية ، ويستعمل بمعنى بان ، أي ظهر على اعتبار الهمزة زائدة ، فلك أن تجعله وصفا ل الْحَقَّ بمعنى العدل كما صرح به في « الكشاف » ، أي الحق الواضح . ولك أن تجعله وصفا للّه تعالى بمعنى أن اللّه مبيّن وهاد . وإلى هذا نحا القرطبي وابن برّجان ، فقد أثبتا في عداد أسمائه تعالى اسم الْمُبِينُ .
--> ( 1 ) هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد بن برّجان - بموحدة مفتوحة فراء مشددة مفتوحة فجيم مفتوحة فألف مفتوحة فألف فنون - الإشبيلي المتوفى سنة / 536 / ه . ألف « شرح الأسماء الحسنى » وجمع مائة وثلاثين اسما . وهو شرح على طريقة حكماء الصوفية . توجد منه نسخة وحيدة بتونس .